Thursday, February 08, 2007

شوارع - 5 ... حزب المخابيل


الأجزاء السابقة:
- 1 خليك في حالك
2 -الأوبرج
3 - الكابوس
4 - المملكة

(5)
حزب المخابيل

عندما أسلمت أمري لله وآمنت بقضاءه وقدره وأن ("شوكت" علينا حق)، اضافة إلي أن التسليم بكونه مختل عقليا، وأن الرجل لا يعدوالا أن يكون بمثابة الدب القاتل صديقه، عندما أدركت هذه الحقائق مجتمعة، عندها فقط انتابني شعور عميق بالراحة والاسترخاء، بعد أن كان مجرد مرور طيفه علي بالي يسبب لي عصبية شديدة مصحوبة بارتفاع في ضغط الدم وارتعاش في الأطراف. ولعل الفضل الحقيقي في هذا يرجع إلي صديقي "علام" الذي كان الشخص الوحيد علي الاطلاق الذي فتن بشوكت وكان يرى فيه انسانا خارقا فوق العادة. إضافة إلي التحليل المنطقي الذي قدمه علام في شخصية شوكت كون أن الرجل ماهو إلا ضحية البطالة وقلة العمل، فإذا ماكان للرجل عمل ما يشغله ماظهر أبدا علي تلك الصورة ولا كان عنده متسع من الوقت للانشغال بشؤون الآخرين أو الثرثرة معهم.
يعود السبب في نظرة علام هذه لشوكت لعدة أسباب شرحها لي علام في جلسات طويلة مختلسة بعيدة عن شوكت وأثناء نومه أو دخوله الخلاء، فقد كان دوما بمثابة الظل لي في كافة تحركاتي وسكناتي. كان علام يرى في شوكت دماءً فرعونية أصيلة وطبقا لأسطورة قديمة قد قرأها فهو آخر حفدة عروس وفاء النيل التي كانت قد تزوجت سرا وأنجبت شاكبتاح الجد الأكبر لشوكت هذا قبل أن يلقي بها في النيل، والغريب في الأمر أن يحتفظ علام بالشجرة العائلية لكافة الأسر الفرعونية واثبتاته التي لا تقبل مجالا للشك في ربط الأشخاص المعاصرين مثلي أنا وشكوت لهذه الشجرة. وما جعلني أصدق علام هو هذا الوفاء الغريب المتأصل به والموروث عن جدته الكبرى والذي تجلى في محاولاته المستميتة للحاق بي والاطمئنان علي رغم كل ما أظهرته له من كراهية وضغينة. فهو وإن كان يتمتع بقدر لابأس به من الغباء إلا أنه بالتأكيد يحبني ويملك من الوفاء لجاره مالا يملكه اقرب الأقرباء. هؤلاء الذين لم يكلف أحدهم خاطره ذات مرة للسؤال عني سواء هنا في المصحة أو في قسم الشرطة.
في الحديقة الخلفية للمصحة، حيث كان كل من ثلاثتنا علام وشوكت وأنا كل يعيش عالمه الخاص، فبينما أقرأ أنا في رواية من الأدب العالمي علي وقع ثرثرة شوكت المتواصلة، كان علام يتابع بشغف مسيرة لجماعة من النمل ممسكا بيده قصاصة ورقية يسجل بها بعض الأرقام والمعادلات، حينما صاح قائلا بأسلوب مسرحي .. وجدتهااااااا
كانت أقرب للصرخة المدوية حتى أنها أوقفت شوكت عن حديثه.
- أيوة وجدتهاااا .. أيه؟؟ مش مصدقين؟
- طيب هي أيه بس؟ (كان هذا صوت شوكت حيث لم يدع لي فرصة للحديث بطبيعة الحال)
- شايف النمل ده
- ماله؟
- النمل له مخ؟
- لا
- بيعرف يفكر؟
- برضه لا
- طب تفتكر ليه النمل ناجح وأحنا لأ؟
- ليه؟
- عشان أحنا بنفكر وهو لا .. هو ده الفرق بينا وبين النمل .. النمل زمان في حد فكرله وحط له نظام .. ومن يومها النمل مشي علي النظام ده من غير تفكير وعمره ما يوم كسر النظام ده، عشان كده النمل نجح وأحنا اتنيلنا علي عينا ففكرنا وكانت هي دي النتيجة .. فوضي في فوضي.
وأسترسل علام:
أنني اليوم أيها الأخوة أعلن تأسيس حزب اللافكر علي أن يكون المبدأ الأساسي للحزب هو عدم التفكير في أي شيء والعودة إلي النظام الأزلي العادل في المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات والعمل .. نظام النمل ..
اشار علام نحوي وقال: ستكون أنت رئيس الحزب وأنا وشوكت مساعديك، أنت الوحيد الشخص الوحيد في الحزب ذو الحق في التفكير ولكن بالطبع داخل حدود اللافكر تماما مثل ملكات النمل. سندعوا إلي تأسيس الحزب وأشهاره من خلال القنوات الشرعية ... مبروووك علينا جميعا ..
شوكت (متحمساً): نقرأ الفاتحة ....
كان طبيعيا أن أضم شوارع صديقي القديم خلال إحدى زيارته لي للحزب الجديد وكان طبيعيا أيضا أن يتحمس له كعادته في الانقياد إلي إفكاري، ولكنه كاد يجن عندما علم بوجود شوكت بالحزب لولا طمأنتي له والتعهد الشخصي بعدم وجود أي خطر منه، حيث كان شوكت بالفعل قد تحول إلي شخص مختلف وإن كان لازال كثير الكلام ولكن أصبح عنده ايضا ميزة الاستماع بانبهار وخشوع كبيرين لما يقوله علام أو في خلال جلساتنا التنظيمية لتأسيس الحزب.
تسائل شوارع مقطبا عن حاجبيه: لموخزة يعني مش يمكن الحكومة ترفض؟ فرد شوكت: وليه انشاء الله؟ .. تابع شوارع: يعني اصلكم لموخزة يعني ...
قاطعته: أيه مخابيل مش كده؟
فتدخل علام: شوف يا شوارع أنا متأكد أن السبب ده بالذات هيخلي الحكومة مش بس توافق .. لأ دي هتدعمنا كمان وبكرة تشوف.
استطعنا في مدة محدودة جدا ومن خلال أحد أصدقاء علام المحامين الحصول علي حكم من المحكمة بعدم دستورية الطعن في شرعية الحزب كون المؤسسين من نزلاء مصحة الأمراض العصبية والنفسية، لسبب بسيط جدا وهو الاخلال بمبدأ المساواة في الأمراض، فكافة المرضي الاخرين لم يحرموا من هذا الحق. وتأسس "حزب اللافكر".
كان دعم الحكومة للحزب فوق ما كنا نتصور، قد يكون ذلك بسبب الديموقراطية أو بسبب التخفيف من معاناة المرضى أمثالنا أو قد يكون لأسباب أخرى لا نعلمها، لكنه كان دعما كريما لا حدود له. كانت رسالتنا واضحة :" أيها الشعب لك أن تعمل وتأكل وتتكاثر بلا تفكير .. أيها الشعب متشيلش هم" .. أيها الشعب متخفش .. لو وقعت هتلاقي اللي يشيلك .. أيها الشعب هنيئا لك العيش كريما مثل النمل.
هل الشعب صدقنا؟
هل هذا ما كان يحتاجه الشعب؟
هل تعب الشعب فعلا من كثرة التفكير ولا يريد أن يفكر أكثر من هذا؟
هل اقصى طموحات الشعب أن يعيش بنظام كنظام النمل؟
هل نحن على صواب؟
كل هذه الأسئلة وأكثر كانت تراودني وأنا أراقب نتائج صناديق الاقتراع وأتابع عمليات فرز الأصوات فاغرا فمي وأنا أري التفوق الساحق لمرشحي حزب اللافكر في انتخابات مجلس النواب، والتي لم يكن لها معني آخر سوي سحب البساط من تحت الحزب الحاكم...
كانت هذه هي آخر المشاهد التي أذكرها عن العالم الخارجي، وها أنا ذا أكتب لكم مذكراتي هذه من مكان ضيق، سقت إليه وحيدا ولا أعلمه علي غفلة من الحراس القابعين خلف الباب الحديدي المغلق لا أعلم شيئا عن علام أو شوارع او شوكت، لا أعلم هل دهس النمل؟ أم صدق أنه لم يختار اللافكر؟ هل مازال يطمح بأن يعيش مثل النمل؟

تمت
الشارقة في 9 فبراير 2007

19 comments:

دينا said...

انا قريت الخمس اجزاء ومش عارفة اقول لحضرتك ايه بجد جامدة جدا ومن اجمل القصص اللي قراتها
اسلوبك ماشاء الله سلس وجميل وممتع وخلاني مشدودة من الاول للاخر
شكرا وفي انتظار المزيد

بنوتة من وسط البلد said...
This comment has been removed by the author.
بنوتة من وسط البلد said...

يا عينى عليك يا دكتور
بس ايه الى وداك الشارقة
وانا الى كنت فاكراك فى وادى النطرون

Memo said...

مين راح فين
و امتي و ازاي
تحياتشي

ياسمين said...

كتابتك حلوة بس عاوزينك تناصر المراة شوية

:))))

Pakinam Nasser said...

مبروك اكتمال القصة ، اعتقد ان فعلا الحل الوحيد علشان الواحد يحاول يعيش انه ينضم للحزب و الا هيطق من التفكير ، انا شخصيا عايزة انضم

jou jou said...

مبروك النتهاء من شوكت رغم تحسنه ، بس كنت حساك ممكن تستمر اكتر من كده في الاحداث ، حصوصا لان اسلوبك مشوق و جميل
بالنسبه للحزب فا ادي الي يمشي بنظام .. ادي نهايته للاسف

تحياتي يا ايمن على هذا النجاح الرائع
و في انتظار الجديد منك دائما

Mohamed A. Ghaffar said...

أنا مش متفق معاك فى حكايه الحزب دى بس واضح اننا عندنا هنا قصاص بارع بس
المره الجايه ابقى اكتب على مزاج ياسمين يعم

وبعدين انا دبستك فى تاج جديد مردتش عليه ليه

وله نهايه said...

يامستر قاسم
احنا بنعمل موقع شبابي وفيه مجله ومنتدي
المهم انه هيشتغل الاربع الساعه 12 بليل
ياريت تشارك معانا وتاكدلي ده في مدونتي

وياريت لو عندك تغطيات محليه في بلدك انت

ورشحلنا موضوع لنشره وشكرا

bastokka said...

اذا انتهيت من شوكت فهناك الف شوكت

الانسان الطفيلي لا ينقرض

قاسم أفندي said...

دينا
شكرا ويارب أكون دايما عند حسن ظنك
يسعدني ويشرفني زيارتك وأتمني أشوفك هنا منورة دايما

بنوتة
ازيك يا جميل وازي وسط البلد؟
انشالله تكوني دايما بخير
مش عارف والله بس أنا صحيت لقيت نفسي مهندس في الامارات
مين دكتور ومين وادي النطرون ده؟؟ انا فين ؟؟ مين طفي النور؟


ميمو
صباح الخير بالليل
ابعدو بقي يا كماحة
الصنف 100 100

ياسمين
أشكرك لزيارتك وأوعدك هارد عليكي حالا ع المدونة بتاعتك ده أنا حتي من أشد أنصار المرأة .. وليسقط عدو المرأة ألف وخمسمية مرة
تصدقي أني فكرت كتير أن ممكن تكون نقطة ضعف في قصة شوارع دي أن مفيهاش ولا عنصر نسائي .. تفتكري ده ممكن فعلا يكون نقطة ضعف؟؟ عموما هاحاول المرة الجاية أغرقلك القصة ستات .. هو في أحلي من الستات ههههههههه
بجد مبسوط لزيارتك وانشالله تنوريني دايما

باكي
منورة والله .. أشكرك لذوقك وتشريفك ليا وبالنسبة للحزب فأنا شخصيا مستعد أتنازلك عن مقعد الرئيس .. بس بشرط تقوليلنا علي البرنامج التفصيلي للحزب بصفتك خبيرة سياسية قديمة ..

جوجو
بجد أنا مبسوط جدا بتعليقك ورأيك .. أنا برضه شايف أنه كان المفروض تطول شوية بس بيني وبينك مش عايز أطول برضه لأني خفت الموضوع يتمط ع الفاضي وتزهقوا مني بقي


عبد الغفار الجبار
الجبار دي طبعا أنت عارف ليه .. تاج تاني يا ظالم !! روح آ شيخخخخ أنت معندكش أخوات صبيان
أيه اللي مش عاجبك في الحزب وأحنا نغيرهولك يا باشا بس ترضي علينا وترحمنا من موضوع التاجات دي
عموما أوعدك أني انشاء الله هارد عليه وبالنسبة لموضوع ياسمين ونصرة المرأة فأنا مش ممكن أغير مبادئي أبدا طبعا الا اذا حد فتح مخه معايا .. درج المدونة مفتوح .. قبضني .. تعرفني
نورتني يا أجمل عبد الغفار

وله نهاية
أشكرك علي ثقتك الغالية
بس أديني تفاصيل أكتر
يعني أيه شبابي؟؟ بتعملو أيه يعني؟ ولو ممكن تديني شهادة شبابية بالاشتراك أتباهي بيها قدام اصحابي أصل كلمة في سرك أنا عندي 39 سنة
وأيه موضوع بلدك دي؟؟
أنا مصري ابن مصري وبالمناسبة دي أحب أسمع أغنية نانسي "لو سألتك أنت مصري"

بوستكة
خطوة عزيزة والله .. شوفي .. المهم ان الواحد مياخدش الحاجه علي أعصابه يعني يكبر دماغه يعتبره مجنون أو ضحية
أخبار طهقان أيه؟؟

Happy Valantine to you all

شخبطة ملوكى said...

كعادتك يا ايمن تتالق من جزء الى جزء
انتظر المزيد و المزيد.
بالمناسبة انا لبيت الدعوة فى المشاركة على ذكريات زمن المراقهة و نشرت الفضايح علنى ربنا يسامحك بقى
اتمنى ان تزورها واقرا رايك

Mohamed Hashem said...

مش عارف ليه حسيت بجزن لما خلصت الجزء الأخير.. انا كنت بدأت أتعود على شوارع و استناها بانتظام و كان نفسى تستمر أكتر من كده..
على كل انا استمتعت بالبداية و النهاية و انا واثق انى ح اقراء أحسن منها فى مدونتك يا عزيزى قاسم افندى فى المستقبل ان شأ الله..
تحياتى و للأمام دائما

Mohamed Hashem said...

بالمناسبة انا رديت على التاج اللى سموك بعتهولى..

زورونا تجدوا مايسركم

تحياتى مرة أخرى

eman said...

لا بجد حلوه يعنى فعلا الخمس اجزاء تحفه عايزين نشوف منك الجديد دايما

قاسم أفندي said...

طارق المملوك
سعيد جدا والله بزيارتك ورأيك ده اللي أتمني ميكونش مجاملة وشكرا لتلبية الدعوة

هاشم
مش عارف والله أقولك أيه، انا بجد خايف أصدق ..
أنا حاليا باراجع القصة "شوارع" علي بعضها وغالبا هادخل عليها بعض التعديلات قبل ما ابدأ في حاجه جديدة وانشالله هتكون اول من يشوفها ويقولي رأيه


الجميلة أيمان
أشكرك بجد وأتمني أكون دايما عند حسن ظنكم، نورتيني وبارب تنوري تنورني علي طول ومتزهقيش

ياسمين said...

بالمناسبة فاكر البوست بتاعى الخاص بمشكلة بين زوجين

الزوج عمل مدونة مخصوص عشان يعرض فيها وجهة نظره فى التعدد ولأى حد عاوز يحاوه

عنوانها

http://nagibidris.blogspot.com/

Abd El Rahman said...

شوف يا باشا، أقسم لك ان فكرة الحزب رائعة ، وان شوارع هي من اروع ما قرات في الفترة الاخيرة لاني لم اقرا سواها ان جيت للحق

:D

هذه مزحة لا تستدعي المية وحداشر ، بجد بقى ... ملاحظة هاشم اللي قبل كده عن الاسماء لاقت عندي نفس الرأي ، لكن سياق الاحداث كقاريء عادي شايفه جامد وممتع ، أسلوبك الحكائي عاجبني لكن شوية بحس باسهاب انا نفسي بعاني منه ، رائعة كنا سنحرم منها لو لم تكن مدوناً ..اول ما صحيت وفوقت جيت في الروقان اقراها ، ده رايي كقاريء عادي وربما غير متذوق ..على قد حالي يعني
مفيش سلسلة كتب جديدة لاله الفن ؟

قاسم أفندي said...

ياسمين
حصل .. شكرا


عبد الرحمن
ما بدري يا سيدي .. كنت كملت نوم
عموما أنت عارف أني بأحترم رأيك جدا
بأشكرك ولكن أنت كلفت الموضوع كده بسرعة عموما هاصطادك مرة كده ع المسنجر ونبقي نحكي شوية حلوين كده .. متغبش عنا