Wednesday, January 10, 2007

شوارع -2 .. الأوبرج

كانت هناك اثنتين وعشرين كتلة بشرية إضافة إليً أنا و"شوارع"، نقبع جميعا داخل ذلك الجحر المسمي بالحجز والواقع في البدروم الرطب لقسم الشرطة إضافة إلي بعض الكتل "الحشرية" الأخري والتي لا يستطيع جهاز التعداد والأحصاء معرفة أنواعها وأعدادها من ذباب (علي مختلف أنواعه) وبعوض ونمل وبراغيث وصبآن وصراصير وبعض الأبراص التي كانت علي ما يبدو تساعد الشاويش المرابط علي باب الحجز بدوريات ثابتة لمراقبة أمن الحجز. ورغم اختلاف القضايا التي زج بسببها هؤلاء جميعا إلي هذا المكان إلا أنهم يشتركون تقريبا في نفس الملامح مع اختلاف أماكن هذه الملامح علي وجوههم وعندها أيقنت أن كنية "شوارع" المكني بها صديقي محسن بالتأكيد ليس بسبب تلك الملامح "أو الشوارع" علي وجهه وإلا للقب كل هؤلاء بنفس اللقب وعندها بالتأكيد ستحدث أزمة كبيرة في التعرف ومخاطبة هذا المجتمع "الشوارعي".
قضيت ليلتي في الحجز قابعا خلف ظهر صديقي شوارع، محتميا به - رغم إمكانياته التي تضائلت أمامي عند رؤية هولاء - . وتحرش أعينهم وتحفزهم لأي هفوة قد تصدر مني بعد تلك التي كانت قد صدرت بالفعل عند دخولي ومخاطبتي أحدهم قائلا: "بعد إذن حضرتك" وعلي ما يبدو أن تلك اللغة لا تستعمل في هذه الأماكن فلأول مرة أدرك أن هذه الجملة "بعد إذن حضرتك" هي بالتأكيد جملة قبيحة وينقصها الأدب. أدركت ذلك مباشرة من وقع ذلك "القفا" الساخن الذي أصدر فرقعة مصدرها الجزء الخلفي من رقبتي ممزوجة بحشرجة صادرة من حنجرة خربة أشبه بصوت جرار سكة حديد متهالك قائلة :"ما تعدي يا روح أمك" أعقب ذلك تعليق ساخر من شوارعي آخر قائلا :" الكار بقي يلم يا جدعان" ولولا ظهور "شوارع" في الوقت المناسب لكان ذلك "الشلوت" عرف طريقه نحو مؤخرتي.
ألتزمت الصمت تماما منذ أن قبعت خلف ظهر شوارع بينما أنهمك هو في التسامر مع زملائنا في الحجز وسؤالهم عن أحوال بعض الأصدقاء والأحكام التي نالوها ظلما وجورا. فعرفت أن المعلم "سوسو" قد حكم عليه بتأبيدة بسبب تافه وهو أنه يتاجر في المخدرات
- آل أيه بيبيع حشيش ..
- لأ تقولش فوجئوا أنه بيبع حشيش ولا مكنوش بياخدوا منه الاتاوة
- ماهو لازمن ولاد الحرام دول ميسبوش حد يسترزق
- هما ممسكهوش غير لما لقوا المحروس الواد ابن الباشا الكبير زبون عنده
- طب مش كان يقول لأبوه يديله ..
- أو ع الأقل كان جاب كارت من أبوه .. أهو كان هيديله عليه ديسكاون (ديسكاونت أي تخفيض)
- ديسكاون .... هع هع هع هع
أما "الوله طيطة" فقد خرج بالسلامة بعد أن أمضي نصف المدة (عشر سنوات)
- جاته البلا مش وش نعمة
- حد يسيب الشهد ويجري ورا الفقر
- طب ده حتي المعلم عمله ليلة أما خرج مكنتش تحلم بيها أمه في ليلة فرحها
- آل أيه عايز يتوب بسلامته وهيفتح كشك أزوزة
- أزووووزة ؟؟؟ هع هع هع هع
كانت الحوارات مسلية رغم ما انتابها من ألفاظ نابية لم أفهم غالبيتها وخصوصا عندما سألني أحدهم بطريقة ساخرة ما اذا كنت "كاوتشة" أم لا .. فبادره شوارع بلكمة خاطفة في أنفه نافيا عني صفة الكاوتش وناسبا إياها إلي والد السائل مما أستنتجت معه أن هذه الكاوتشة بالتأكيد هي لفظ غير مهذب.
وانتابني أحساس عن مدى رهافة حس الأخوة الشوارعية عندما تحدثوا عن "العصافير" ولكن سرعان ما زال هذا الشعور عندي عندما تبين لي أنهم لا يقصدوا عصافير الكناريا أو السنونو ولكنهم يقصدون أنواع أخري من العصافير مثل "دقدق" و"فجلة" و"تامر" والذين كانوا يعملون لحساب ولاد الحرام "علي حد زعمهم".
كان موقعي خلف "شوارع" يواجه ذلك الشخص الصامت منذ أن دخلت والذي تختلف معالمه بعض الشئ عن ملامح الاخرين فبالرغم من كونه يشترك مع الاخرين في تلك الشوارع والأخاديد علي الوجه الا أنها كانت شوارع حديثة لازال بعضها يكتسي باللون البني للدم المتجلط. كان الأخوة شوارع يلفبونه لسبب ما لا أعلمه بـ "سلوى" وأن كان بعضهم حاول تلقيبي بـ "حنان" لولا أعتراض "شوارع". كانت آثار الارهاق والتعب بادية تماما علي "سلوى" لدرجة لا تتبين من خلالها ان كان مستيقظ أم نائم وكان من وقت لاخر يهذي بكلمات غير مفهومة اضافة الي بعض الأدعية والآيات القرآنية. رق قلب شوارع وبعض الأخوة الآخرين لحال "سلوى" وفهمت من حديثهم عنه أن تهمته خطيرة جدا تتجاوز خطورتها القتل والمخدرات والسرقة، وحالته يرثي لها ودعا له البعض بالرحمة أو الموت فالموت أهون مما هو فيه وعندما أستفسرت من شوارع عن تهمته فهمت أنه معتقل سياسي وعندها حمدت الله أني لا أحب السياسة ولا أذكر أني حتى كنت قد قرأت الصفحة الأولي في الجريدة في يوم ما.
أما "طيارة" ذلك الشخص النائم باستغراق تام في زواية مفروشة بباطنية ووسادة خشبية، فقد فهمت أنه بائع متجول لا يجد مكانا أخر للمبيت فهو يصطنع كل ليلة مشكلة ما مع الدورية، حين ينتهي من بيع بضاعته، ليلقي به في الحجز فيمضي ليلته مستمتعا بدفء الحجز حتي الصباح حين يأتي الضابط ووكيل النيابة فيفرجان عنه، وهكذا كل ليلة. أما عن سبب تلقيبه "طيارة" فالأمر لا يحتاج إلي عبقرية، بالتأكيد سبب هذا اللقب هو الصوت الصادر من حنجرته أثناء نومه والأشبه بمحرك طائرة نفاثة مما كان يضطر المتحدثين لتعلية أصواتهم بدرجة جهورية عالية مثل مغنيي الأوبرا والتي كانت دائما ما تنتهي بالكوبليه الأخير ذي الصوت المتحشرج الصادر من خلف باب الغرفة: "أخرس يابن "المضايقة" أنت وهو".
كنت الشخص قبل الأخير الذي ألقي به تلك الليلة إلي "الأوبرج" - كما يسميه الأخوة الزملاء - حيث تبعني شخص آخر في وقت متأخر أُلقي به إلينا متدحرجا لا تستطيع تبين أعضاء جسمه وأطرافه فهو أشبه إلي كرة كبيرة قذفت إلينا متبوعة بصوت جهوري "الزبون ده ترفيه .. عايزكم تتوصوا بيه يا رجالة" ها ها ها ها
لم أفهم كثيراً المقصود من تلك العبارة إلا بعد تعامل الأخوة الزملاء معه حين جردوه مما بقي من ملابسه وتبادلوا أفعال غريبة عادة ما لا يقوم بها الرجال بين بعضهم البعض ولكن من رد فعل الأخ "ترفيه" ساورني شك عميق في كونه ذكرا مثلهم، الغريب في الأمر حقا هي تلك الضحكات المجلجلة والعبارات الخادشة للحياء الصادرة من خارج باب "الأوبرج" واستغراق "طيارة" في نومه وهذيان "سلوى" المستمر وكأن ما يحدث هو أمر طبيعي جدا لا يدعوا إلي الانزعاج.
الا أن أكثر من لفت نظري هو الشاويش "بوش" أو هكذا كان يناديه الزملاء، يجلس الشاويش "بوش" علي كرسي خشب أمام باب الغرفة ولا أدري إن كانت وظيفته الأساسية هي الحراسة أم تلبية احتياجات النزلاء من سجائر علي أختلاف أنواعها "كوكو الضعيف" و "كعب أحمر" و "لف"، أو ساندوتشات فلافل أو مكالمات موبايل، والحرص علي تدوين طلبات الزبائن في نوتة صغيرة يحتفظ بها في صديرته الداخلية.
رغم التعاسة التي كنت أشعر بها طوال تلك الليلة، إلا أنه كانت تنتابني سعادة غريبة كلما خطر علي بالي أني سأعود يوما إلي الشقة فلا أجد الأستاذ "شوكت في إنتظاري.
في الصباح فتح باب "الأوبرج" مناديا علي المدعو فلان وفلان للعرض علي النيابة .. كنت أنا فلان الأول و"شوارع" هو فلان "الثاني".
بعد الانتظار بضعة ساعات مقيد اليدين في أسورة حديدية واحدة مع صديقي "شوارع" أقتادنا الشاويش إلي داخل غرفة وكيل النيابة..
كان شابا لا يتعدي الخامسة والعشرين من عمره يرتدي بذلة داكنة اللون يرتدي نصفها السفلي فقط ويضع الجاكت علي شماعة جانبية بينما يربط البنطلون بحمالة علي كتفيه النحيلين. رغم منظهره الهزيل لكن من خلال تعامل المحيطين به من كاتب العدل والشاويش وأمين الشرطة يتبين لك أنك تتعامل مع شخص لا يقل عن وزير عدل مثلا إن لم يكن إله العدالة عند الأغريق إذ كاد الحاجب أن يسجد له بعد تقديم له القهوة قائلا: "معاليك القهوة سعادتك علي المكتب .. سعادتك تأمر معاليك بخدمة تانية سعادتك؟"
لم ينظر إلينا حين سأل: مين فيكم الدكتور؟ فلم أتردد قائلا بصوت جهوري : "سعادتك أنا الدكتور معاليك" فأجاب " مش عيب عليك تبقي دكتور وتعمل كده.. دكتور وسخ.. أنا عارف أنتو دخلتوا طب إزاي، أكيد كنت بتغش، لعلمك أنا مجموعي كان يدخلني أي كلية بس أنا أخترت أدخل الحقوق بمزاجي" أطرقت ولم أعلق بل وأومأت برأسي مؤمناً علي كلامه. صمت برهة وهو يدور حولنا ثلاث دورات متعاقبة ثم جلس علي حافة مكتبه وأمسك بملف بيده وقال:" تقرير الطبيب الشرعي وصل .. الظاهر صحتك بقت علي قدها يا "شوارع"، الله يرحم زمان أما كنت تطبطب علي حد كان يجيله كسر في العمود الفقري، كان نفسي أبيتك عندنا كم ليلة لكن للأسف التقرير بيقول أن سبب الأغماء نوبة سكر وأن الرضوض التي علي جسم المدعو "شوكت" من جراء سقوطه علي الأرض مطابقا لأقواله وليس نتيجة تعدي بالضرب زي ما الشهود قالوا في المحضر ... يعني مضطر أخرجك للأسف..". ألتفت وكيل النيابة لزاوية الغرفة خلفنا ثم تابع قائلا: "أما أنت فأنا برضه مضطر برضه أدخلك الحجز أعاقب بيك البلاوي اللي جوا ... دانتا أجدع من الكهربا والفلكة .. ديتك بس أفك البلاستر اللي حطتهولك علي مكنة بقك... وسلم لي علي حقوق الأنسان ... هع هع هع .."
في لحظة واحدة ألتفت أنا وشوارع خلفنا لأري الأستاذ شوكت وهو مقيد بالأربطة الطبية والشاش علي أجزاء مختلفة من جسمه ولكن اللافت للنظر هو ذلك "البلاستر" الملصق بعناية علي فمه...

7 comments:

بنوتة من وسط البلد said...

البوست جميل .. والى ادهشنى الخبرة الفظيعة فى وصف "الاوبرج" والاخوة الشوارعية ..
وربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم ..
بس اذا كان المعتقل السياسى اسمه سلوى والدكتور كان هيبقى اسمه حنان .. شوكت ده هيتنيلوا يسموه ايه ؟؟

ع فكرة .. نفسى الاقى مفاجاة جديدة وهى اى شوارع يكون ليها جزء تالت

ربنا يبارك ليك وعليك والى مزيد من التوفيق ان شاء الله

شــــمـس الديـن said...

الجزء الثاني قرأتة قبل الاول و اضطررت الي قارة الجزء الاول لافهم ماذا فعلة الداكتور

نفسي اعرف شوكت عمل ايه في الحجز ولا اتعامل مع الوحوش الادمية دي ازاي

ثم انتيا داكور ازاي مش عرفت تشخص حالة الزوجات اللي اتجوزهم شوكت ؟؟؟ اكيد هتكتشف حالة من Shawkatism syndrom مثلا و دي اللي هتيجي للناس اللي في التخشيبة ...

موهبة فذة فعلا ربنا يحميك

Anonymous said...
This comment has been removed by a blog administrator.
Noha said...

واضح ان في عداوة دفينة مع وكلاء النيابة ، الحئد باين بين السطور يا هندزة
ماعلينا
جميلة فعلا ، خصوصا منطقة "ترفيه" ، واقعية جدا
في انتظار الجزء التالت

Noha Mahmoud

Pakinam Nasser said...

Actually, i read the first part of that series and i liked it so much but unfortunately i didn't have time to reply,as for the first part i was so much impressed by your ability to describe,which made me imagine the details of everything as if am watching the events in a movie,and i was so depressed that the story ended that fast and i wasn't convinced that this is the end of the story,but your 2nd episode came to reply to my wonders in a style of witing that proves more that you're gifted and of your ability to write,and i think that writing serieses is on of the hardest things,,really great work,,sorry for writing so long comment but i really liked it and am waiting for the 3rd episode with a new surprise,,continue working and wishing u the best of luck.

JouJou said...

وصف رائع للاحداث و كالمعتاد شعرت و كأني اعيش في القصة
اما الاسماء فإية الموهبة في التفكير في الاسماء الغريبة دي

و جميلة فكرة شوكت كعقاب دي
رغم انها طويلة شويتيين بس جميلة بجد و فعلا لازم تتوالى الاجزاء
عظمه على عظمة كاتبنا البديع

Mohamed Hashem said...

تكملة القصة فى منتهى القوة ، أستطيع الجزم أننى استمتعت بالجزء الثانى أكثر من الأول ، لن اضيع الوقت فى الثناء على موهبتك فقد صار هذا معروفا ً بالفعل و لا يحتاج الى تعليق منى ، ملحوظتى الوحيده هى أن النهاية خلقت ما يطلق عليه كتاب السيناريو " المشهد الإجبارى" حيث أثارت فضول القارىء لمعرفة ما سيحدث لشوكت داخل الحجز بشكل أو بأخر فى الوقت اللذى سيصاب فيه القارىء بإحباط اذا ما انتهت القصة عند هذا الحد ، (لاحظ أن هذا يبدو واضحا ً من التعليقات المكتوبة هنا )، لذا أعتقد أن كتابة جزء ثالث صارت حتمية و الا اصبح ذلك نقطة ضعف فى القصة خاصة اذا نشرت يوما ً ما بشكل متصل..

عمل أخر ممتع ، الى الأمام دائما ً..تحياتى

محمد هاشم