Thursday, January 18, 2007

شوارع - 3 .. الكابوس

الجزء الأول "خليك في حالك"
الجزء الثاني "الأوبرج"

(3)
الكابوس

كانت الأيام الثلاثة التالية للفترة التي قضيتها في "الأوبرج" من المفترض أن تكون بمثابة فترة نقاهة، حيث قررت أن أنعزل عن العالم الخارجي تماما، فأغلقت باب الشقة بالمفتاح وفصلت جرس الباب وكذلك فعلت بالهاتف، كنت لا أرغب في أي نوع من الإزعاج، لا أريد أن أفكر في أي شيء، لا أريد أن أشغل بالي بأي من منغصات الحياة أو مبهجاتها - إن كان لها مبهجات -، فقط كنت أريد ان أفكر في اللاشيء.. في الفراغ .. وددت لو أنتقلت بسفينة فضاء إلي كوكب خارج المجموعة الشمسية، الشمس تذكرني بالصباح والصباح يذكرني بالذهاب إلي العمل والذهاب إلي العمل يذكرني بشوكت في شرفته يلقي علي تحية الصباح اللزجة.. كرهت سماع هذه الكلمة المزعجة "صباح الخير". لا أريد أي شيء يذكرني بهذا العالم المزعج، عالم شوكت وشوارع والأوبرج ووكيل النيابة،. سددت كل المنافذ علي العالم الخارجي وقطعت كل سبل الإتصال به .. أستلقيت علي ظهري أحملق في الفراغ والظلمة التي فرضتها علي نفسي بعدم استعمال الأنوار حتى لا يشعر أحد بوجودي ويسبب لي أي نوع من أنواع الإزعاج. تكيفت عيناي مع الظلام وتشكلت أنواع مختلفة من الصور والأطياف، نجوم وهمية تتلألأ في الظلمة ثم تتلاشي وكأنها لم تكن، سلاسل ضوئية تظهر فجأة سابحة في اللاشيء وترتفع ثم ترتفع ثم تهوي في لحظة لتختفي في هوة سوداء سحيقة ليخرج من تلك الهوة شعاع أسود أو ربما لا يخرج اي شعاع علي الأطلاق، بالتأكيد أنا الآن خارج المجموعة الشمسية، أين هي تلك المجموعة اللعينة الآن؟ لا أريد شيء يذكرني بها .. هل هي تلك الحلقة المضيئة قريبا من الهوة السحيقة التي يصدر منها ذلك الشعاع الأسود؟ تلك الحلقة التي أخذت في النمو والأقتراب ثم الأقتراب حتي أصبحت تسيطر علي فراغي وعالمي المنعزل ولم أعد أري سواها ومن تلك الحلقة خرجت حلقات أخري أصغر من الحلقة الأم ومن كل حلقة وليدة خرجت عشرات بل مئات الحلقات الصغيرة وأخذت تشكل تلك الحلقات مجموعات هجومية لتغزو عالمي المنعزل وأقتربت الحلقات وأقتربت لأري تفاصيلها الدقيقة وقرونها التي تشبه قرون وحيد القرن وألسنتها الطويلة كالأفاعي، مئات بل الاف الألسنة الممتدة كالأفاعي، كلها تحملق في بعيون شرسة تريد التهام فريستها، عيون رأيتها من قبل عيون ترتدي نظارات طبية سميكة تخفي نصف وجهها العلوي.. القرون تمتد وتمتد مرتدية حمالات كتلك التي يرتديها وكيل النيابة. الألسنة تطول وتنساب في الفراغ بسرعة شديدة صوب رقبتي يتساقط منها لعاب أخضر كريه، والقرون تنمو وتتضخم بسرعة رهيبة ممزقة تلك الحمالات السخيفة ، إلي أعلي في الفراغ كانت هناك مئات من الحلقات الأخري تشكلت علي نحو مقزز مكونة الالاف من الأبراص تتسكع ببطء مكونة سماء وهمية تراقب ما يحدث تحتها بفضول وعته شديدين وكأنها طيور ضارية في إنتظار سقوط الفريسة والالتفاف حول الجيفة. وعلي الجانب خلف الهوة السوداء السحيقة ومضة نور تحاول الأقتراب بمثابرة واذا ما أقتربت أخذت شكل حمار ضخم له أسنان بارزة وعضلات مفتولة ووجه تعلوه الطيبة رغم إختفاءه خلف عشرات الآثار من الجروح العميقة، كان وجهه يشبه وجه شوارع إلي حد بعيد.
أتحسس رقبتي فلا أجدها واذا بها بين تلك الألسنة التي علي شكل الأفاعي، تعصرها وتلهو بها في نهم وسعادة بالغين، تلعق أذناى تاركة أثار ذلك اللعاب الأخضر الكريه حولهما وعلي كل وجهي، ثم تنزلق بانسيابية داخلهما الواحدة تلو الأخرى. وأذا برأسي يرتكز علي جسمي بلا رقبة، وتقترب بقعة النور التي تشكلت علي شكل حمار من جسمي ليستقطع بأسنانه البارزة جزءاَ كبيرا من لحم جسدي ويعيد تشكيل اللحم علي شكل رقبة محاولا تثبيت رأسي عليه ولكنه يفشل لتسقط الرأس علي الأرض محدثة صوتا مدويا فأستيقظ علي وقع هذا الصوت صارخا صرخات هيستيرية متواصلة، متحسسا رقبتي لأجدها مازالت في مكانها، أنظر حولي بقلق ورعب شديدين باحثا عن تلك الألسنة او تلك القرون والحمار لاراها تتلاشي بسرعة داخل الحلقات التي تبتلعها بدورها تلك الهوة السوداء السحيقة التي تتساقط بها أبراص السماء.
تكرر ذلك الكابوس في الليالي الثلاثة التي كان من المفترض أن تكون فترة نقاهة عشرات المرات وفي الليلة الثالثة أفقت لأجد نفسي مقيداَ في سرير أبيض في غرفة ذات جدران بيضاء وسقف مرتفع محاطاً بعدد لا بأس به من الممرضين مفتولي العضلات يمسك أحدهم بحقنة كبيرة في يده ببينما يتلفظ آخر ببعض الأدعية بينما هناك صوت آخر مميز أعرفه جيدا واحفظ نغماته اللزجة ونبرته السخيفة يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسترسل في حديث متواصل مع الممرضين عن حالتي وأنني كنت "زي الفل" ..ثم يكمل قائلا: سبحان الله نفس الموقف ده حصل مع مراتي التانية من عشر سنين ووو"... عندما أيقنت أن ذلك الصوت هو صوته هو وأنه هو الذي جاء بي إلي هذا المكان لأن الجار للجار أخذت في الصراخ محاولا التخلص من قيودي بهستيرية شديدة أنتهت حين أنغرزت الحقنة التي كانت بيد الممرض في جسمي وحينها لم أعد أشعر بشيء.

8 comments:

Dina Mostafa said...

أنا أكتشفت مدونة حضرتك بالصدفة وبجد سعيدة أوي بإني أقرأ لحضرتك ومتأكدة أني قريب هاشوف وأقرأ أعمالك مطبوعة بجد أسلوب الكتابة والتصوير لا يقل عن كبار الكتاب اللي باقرالهم
تمنياتبي بالتوفيق

أحمد نعيم said...

بصدور الجزء الثالث تبدأ عناصر الرواية في الظهور وبداية في رأيي جيدة وأعتقد لو صقلت هذه الموهبة بعناية فسنقرأ لكاتب فذ قريبا
أنت عارفني مش بأعرف اجامل
تحياتي ومعلش سامحني صحيح اول مرة أكتب تعليق بس كنت كل يوم أشوف الجديد عندك وكل مرة كنت الاقي اللي يشدني
احمد نعيم

أحمد نعيم said...

بصدور الجزء الثالث تبدأ عناصر الرواية في الظهور وبداية في رأيي جيدة وأعتقد لو صقلت هذه الموهبة بعناية فسنقرأ لكاتب فذ قريبا
أنت عارفني مش بأعرف اجامل
تحياتي ومعلش سامحني صحيح اول مرة أكتب تعليق بس كنت كل يوم أشوف الجديد عندك وكل مرة كنت الاقي اللي يشدني
احمد نعيم

sampateek said...

يعني حضرتك في البنج دلوقتي؟
ترجعلنا بالسلامة


حاول تخطي مرحلة المذكرات
و انطلق برة نفسك

اسلوبك يستحق

بنوتة من وسط البلد said...

فى جمال كل ما سبق
وكده اتوقع ظهور الرابع

بس سؤال كالعادة ؟
انت متاكد انه صحى من الكابوس ؟؟؟

حاجة تانية .. وانا باقرأ سطور وصفك للكابوس ما قلتش غير كلمة يععع
وتخيلت وش شوكت ابو حمالات

ربنا يبارك ليك وعليك ان شاء الله

Sampateek said...

ميرسي قوي على النصائح الغالية و انا مبسوطة قوي ان في حد بينقد نقد موضوعي
اتمنى تشرفني دايما
و اقرا لك الجديد
:)
تحياتي

Abd El Rahman said...

زعيم

معاليك عارف اني مليش في المجاملات والكلام الحمضان

معاليك بقى لازم تعرف انك جامد.. دي معلومة قديمة .. التأكيد عليها بيبان مع كل جديد بتكتبه

معاليك لازم تعرف .. اني مبسوط ومتكيف على حد تعبير الأخ هاشم

سلام معاليك :)

بيسوو said...

يعني حضرتك ولا مؤاخذة اتجننت خلاص؟؟
عموما متفتكرش اني دي حاجة وحشة
بالعكس مش بيقولوا المجانين في نعيم...وهو حد يكره؟

نتكلم جد شوية

تصويرك للكابوس اكتر من رائع مع ان فيه شوية سوداوية بس عادي ده اكيد علشان هو كابوس

حالتك لو كانت حقيقية يعني مش من وحي الخيال يشرفني اني اقلك اني عشتها قبل كدة

منتظرة الجزء الرابع..متتأخرش